بكركي تخشى على الوضع المسيحي-اللبناني من إيديولوجية "حزب الله"

Printer-friendly versionPrinter-friendly versionSend to friendSend to friend

Table of Contents:

  • بكركي تخشى على الوضع المسيحي-اللبناني من إيديولوجية "حزب الله"
  • Page 2
ومن انقلابية العماد عون على خطه السياسي وعلى المسار التاريخي للجماعة المارونية
في هذه النصوص المرجعية المعبّرة عن العلاقة بين الكنيسة والسياسة التي اختيرت بدقة لارتباطها بموضوع هذه الدراسة، والتي تشكل ينبوع تأمل عميق لدى كل مسيحي، تتجمع أدلة الثبات لموقف البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير على مستويين جوهريين:
 
- مستوى لاهوت الانسان / المجتمع، أي لاهوت التحرر.
 
- ومستوى لاهوت الارض / الوطن، أي لاهوت التحرير.
لاهوت الإنسان / المجتمع:
 
لاهوت التحرر
 
يخشى البطريرك من أن "حزب الله" الذي يهيمن على تيار 8 آذار أن يهيمن على الحياة العامة في لبنان (دينيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا وعسكريا واعلاميا)، اذ ان مثل هذه الهيمنة تهدد منظومة الانسان / المجتمع في المفهوم الديني المسيحي في أمور منها:
 
1 - "حزب الله" حزب اسلامي أصولي يحمل رؤية شاملة الى نمط الحياة لدى الانسان والمجتمع، وهي رؤية تتعارض كليا او جزئيا مع نمط الحياة المسيحية في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والتربية النفسية والجسدية والثقافية وسلّم القيم.
 
2 – يؤمن "حزب الله" ويعمل لدولة اسلامية وحكومة اسلامية مرجعيتها ومرشدها هو الولي الفقيه في ايران. إنها دولة دينية تيوقراطية يتولى السلطة الفعلية فيها رجال الدين الشيعة (حكم الملالي) وهو ما يشكل خطرا على الدولة اللبنانية المدنية، وبالتالي على حرية المسيحيين ودورهم وحضورهم في وطن الارز.
 
3 – في الدولة الاسلامية تكون النظم المدنية مرفوضة كونها نتاج العقل البشري ما لم تكن نابعة من مبادئ الشريعة الاسلامية وفقهها. وهذا يمنح رجال الدين "حق تأليف هيكلية الدولة الاسلامية وتوجيه سياستها في الداخل والخارج. وكذلك التأثير المباشر في تكوين البنية التحتية والفوقية للمجتمع. وهو ما يناقض الفكر العلماني بآفاقه المسيحية ويشكل خطرا على أوضاع الاقليات غير المسلمة في الدولة الاسلامية" (محمد ضاهر).
 
4 – وما يقلق البطريرك الماروني بشكل خاص هو التحدي الذي يواجه سلم القيم لدى المسيحي اللبناني: انسانا ومؤمنا ومواطنا في مواجهة سلّم القيم الذي أرسته نظرية الامام الخميني، وفيه:
 
- كرامة الشخص البشري كمحور للأخلاقية المسيحية، في ازاء محورية الأمة في الحكومة الاسلامية الخمينية.
 
- ثقافة السلام في ازاء ثقافة العنف (رمز غصن الزيتون ورمز الرشاش).
 
- مركزية الحرية في ازاء مركزية الوحدنة.
 
- الاعلان العالمي لحقوق الانسان، في ازاء إخضاع الاحكام كلها للشريعة.
 
- الديموقراطية بجوهرها كتكليف من الشعب، في مقابل التيوقراطية بالتكليف الشرعي.
 
- حركات سياسية في الجوهر، في ازاء حركة جهادية في الجوهر.
 
- الايمان الاسكاتولوجي المتعلّق بالاخرويات في ازاء الايمان الايديولوجي (المتعلق بالدنيويات والاخرويات في آن = دين ودولة).
 
ويختصر أدونيس منهجي الحياة هذين بجدلية الثابت والمتحول، وفيها يتحدد مدى تحرر الانسان من خلال علاقته بالله والتاريخ في تعبيرين: الزمن الدائري والزمن الطولاني:
 
- الدائري (circulaire) فيه سعي للعودة الى الزمن المثال = زمن الرسالة.
 
- والطولاني (Lineaire) فيه اتجاه الى زمن جديد = زمن المستقبل).
 
اختصارا، اذا كان اللاهوت بمعناه العام علم الاجتهادات الفكرية لفهم الايمان بالاستناد أساسا الى الكتب المقدسة والعقيدة والتقليد، فان من حق البطريرك، بل من واجبه، في ضوء ما تقدم من تناقضات واختلافات وايديولوجيات مستوردة وتمايزات في النظرة الى الانسان والمجتمع في لبنان، من واجبه أن يقلق ويكون له موقف ويقرع ناقوس الخطر، منبها ومحذرا.. وهذا في صلب واجبه الرعوي وفي ذهنه كلام بولس الرسول: “إن المسيح قد حررنا لنكون أحرارا" (غل 5/1).
 
لاهوت الأرض / الوطن: لاهوت التحرير
 
1 – ما شغل ويشغل بال البطريرك صفير ليس فقط تحرر الانسان بل تحرير الارض ارض الوطن. فحرية الانسان وتحرير الارض امران متلازمان في المبدأ العام وأكثر ما يكونان كذلك في الذهن الماروني نظرا الى العلاقة الخاصة بين الكنيسة المارونية وارض لبنان عبر التاريخ: "فمحبة الوطن هي محبة الارض ومحبة المواطنين" (البطريرك صفير، في محبة الوطن، رسالة الصوم 2007).
 
2 – يؤكد الأب ميشال حايك وجود "زواج حب سرمدي بين الماروني و الارض اللبنانية (دراسة بالفرنسية بعنوان: "الكنيسة المارونية والارض" "L'eglise maronite et la Terre"). ويشرح المطران حميد موراني هذا الحب من منظور جيوبوليتيكي بالقول: "ان الحدث المؤسس في تاريخ الموارنة هو هجرتهم من ارض سوريا، ارض الاضطهاد، والتهديد بازالة الذاتية، الى ارض لبنان، ارض الحرية واستمرار الذاتية. لذا فالموارنة يجعلون في اساس تاريخهم الهرب من الاضطهاد والبحث عن الحرية والاستقلال. فوجدان كل ماروني يولد من هذا المعنى وسيبقى هذا المعنى المبدأ المفسّر لكل أحداث تاريخ الموارنة، وسيبقون في حدود هذا التاريخ" (مجلة "الفصول"، العدد 5 – 6).
 
3 - ... ولأن هذه الارض هي ارض العطاء والعبادة وبلورة الذات والدفاع عن الذات فهي التعبير عن استقلالية الموارنة وأفق حياتهم الوحيد. ومع مرور الزمن والتفاعل ارض / زمن ولدت روح شعب (Esprit d'un peuple)، شعب استحل مكانه في التاريخ فانتقل النضال من اجل الحيز أو المجال اللبناني بالمطلق الى ملحمة خاضها الموارنة من اجل حرية / وتحرير اقليم جغرافي (لبنان) ذي حدود مرسّمة ونهائية يتم عبرها التمييز بوضوح بين الداخل والخارج، بين الذات والآخرين، بين ارض بترسيم حدودها ترسّم حدود الذاتية، ويكون الخارج عن ارضها هو الشقيق، او الآخر، او الخصم، او العدو!
 
4 – ومع ان ارض لبنان، منذ مئات السنين، هي المحور الذي يدور حوله مصير الموارنة، فان المفارقة تبقى في تفسير وتبرير هذه النزعة الثقافية الكونية لديهم، بمعنى آخر، كيف يمكن الجمع بين النقيضين: ايديولوجية المكان الضيق (الجبل) وفلسفة الكون الواسع (ارض البشر)؟ والجواب: ان ما مكَّن الموارنة من الانطلاق الكوني ثلاثة امور اساسية: انتماؤهم الى الكنيسة الكاثوليكية – الكونية، وانتشارهم الجغرافي في قارات العالم كلها، وتنوع تعبيراتهم الثقافية في لغات العالم الحية على اختلافها.
النهار
No votes yet