بكركي تخشى على الوضع المسيحي-اللبناني من إيديولوجية "حزب الله"

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
ومن انقلابية العماد عون على خطه السياسي وعلى المسار التاريخي للجماعة المارونية
ومن ذلك ولدت ما يسميها سينودس الاساقفة من اجل لبنان "دعوة لبنان التاريخية" (La vocation historique du Liban)، وجعلت من لبنان "البلد – الرسالة"، كونه ملتقى الديانات والحضارات والثقافات.
 
5 – المفارقة الثانية هي ان الموارنة، بعكس ما يتراءى من هذه المقاربة، لا يعتبرون ان ارض لبنان لهم وحدهم، بل يعتبرون ارض لبنان ارضا لهم ولاخوتهم المسلمين في آن. فقيمتها وأهميتها تكبران بمقدار ما هي ارض الحياة المشتركة، ارض الايمان بالحوار والسلام. ففي حين ربطت، او ارتبطت اسماء الاقليات والطوائف الاخرى باسماء الامكنة: جبل أرارات (الأرمن)، جبال الأكراد، جبال العلويين، جبل الدروز، جبل صهيون... الموارنة وحدهم لم يربطوا انتماءهم "بجبل الموارنة" لانه في مضمونه الحياتي – الوجودي – اللاهوتي ليس لهم وحدهم، بل هو اوسع، فهو جبل الحرية لهم ولسواهم... وتصبح المقاومة في سبيله من اشرف المقاومات في التاريخ لانها مقاومة من اجل الحرية! والحرية تكون شاملة... أو لا تكون!
 
6 – في ضوء هذه العلاقة التاريخية: المارونية / الارض، وتخصيصا: الكنيسة المارونية والارض، وتجسدها في الكيان اللبناني، وانعكاسها على الوضعية اللبنانية في حقب التاريخ، فان البطريرك صفير يجد نفسه ككل بطريرك امام ضرورة وواجب، لا امام خيار ومهمة، وهو ان يلتزم ويدعو كل سياسي مسيحي مسؤول للعمل والدفاع عن لبنان الوطن السيد الحر المستقل، وهذا لن يتحقق شرعياً وفعلياً الا بتحقيق ترسيم حدوده مع سوريا كشرط "للسيادة الكاملة"، والاعتراف بنهائية وجوده كما نص اتفاق الطائف. وهذه المستلزمات غير متوفرة حتى الآن لانها تفرض تغييرا في الاستراتيجية السورية (سوريا الكبرى) وفي التكتيك السوري (سوريا المشكلة/ سوريا الحل).
 
اما العلاقات الديبلوماسية فهي على اهميتها تدخل في الموقت وليس في الثابت، كترسيم الحدود. وهي قرار سيادي يمكن الرجوع عنه، وليست كحدود مشرعنة على ارض الواقع، على خط القمم، بارادة الطرفين ومشرعنة ايضا في وثائق الامم المتحدة! وما لم يحصل مثل هذا الترسيم المرفوض من سوريا ومن حلفائها في لبنان (القدامى والجدد) كما عبّر عنه السيد حسن نصرالله في لجنة الحوار ايار 2006، فان من حق البطريرك صفير، وهو يرى علاقة البعض مع سوريا لأهداف المنفعة الخاصة من دون الوصول الى حلول للمشاكل الوطنية العالقة معها، أن يعتبر ذلك خطأ تاريخيا جسيما، وأن يشعر بالخطر على المصير الوطني!
 
7 – ومن الموضوعات الاساسية التي تقلق البطريرك موقف حزب الله والعماد عون من اتفاق الطائف: فالسيد حسن نصرالله رأى في الاتفاق منذ البداية "مشكلة لانه يكرس النظام الطائفي الماروني". ويركز السيد على "بقاء رئيس الجمهورية القائد الاعلى للجيش" (من خطابه في برج البراجنة في ذكرى عبدالله عطوي "الحر العاملي" – جريدة "السفير" 6/11/1989).
 
والعماد عون كـ"حزب الله" لم يؤيد الاتفاق منذ البداية وهما يسعيان الآن الى تغييره او تعديله باتجاه المثالثة بديل المناصفة! وكانت البداية في اتفاق الدوحة! والبطريرك صفير شديد الحرص منذ البداية، واليوم خصوصا، على التمسك باتفاق الطائف كأفضل مقاربة في واقع توازن القوى الحالي وباعتباره افضل الممكن في الواقع وليس في المطلق!
 
• • •
 
يوم انتخبت المناطق المسيحية لوائح العماد عون العام 2005 بنسبة عالية، قال البطريرك صفير جملته الشهيرة: “الآن أصبح للموارنة زعيم". يومها كان العماد عون لا يزال يحمل رتبة "قائد حرب التحرير ضد سوريا"، وهي الرتبة السياسية الوطنية التي تعلو، بنظر المسيحيين، على رتبه العسكرية. ويومها شارك جمهور العماد عون بكثافة في تظاهرة 14 آذار 2005 بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري (14 شباط 2005). وصدر للتيار الوطني برنامج انتخابي برتقالي يعبّر مضمونه، في مواقفه الاساسية، عن طروحات الجماعة المسيحية وبالتالي عن هموم الكنيسة المارونية، كما عبّر عنها نداء المطارنة الموارنة في 20 ايلول 2000. ولئن كان البطريرك يخشى اليوم على الوضع المسيحي / اللبناني من شمولية حزب الله وتسلطيته، فهو يخشى ايضا من انقلابية العماد ميشال عون على تاريخه السياسي، أي على الخط التاريخي للجماعة المارونية (الكنيسة المارونية). ولو بقي في هذا الخط، أي في مسار الكنيسة، لكان معنيا جدا ومشمولا ومزهوا بالنص الذي أصدره المجمع الماروني عن تلك الحقبة وفيه "بعدما كان لبنان ساحة لتسلط الآخرين صار ساحة شهادة أبنائه جميعا لحريتهم وزخما لأكبر انتفاضة شعبية في العصر الحديث. لقد تمكنت الكنيسة، بمشاركة معظم الشعب اللبناني، بأن تحفر تاريخ لبنان الحديث بابرة الحق والايمان فوق صخرة الظلم والليل الطويل، فتمكنت من انقاذ الوطن واستعادة الدولة" (فقرة 32).
 
.. ألا يبيّن هذا الكلام بوضوح صارخ أين تقف الكنيسة فعلا، وبالتالي أين يقف البطريرك صفير؟
 
... ثم ألا يبين ايضا، بذات الوضوح، وبكل أسف، الى أين انتقل بعض أبنائها، بحيث صار على الكنيسة ان تعيد الى اذهانهم كلام النداء الاخير لللسينودس: "إنه من واجبنا اليوم ككنيسة ان نعلن قيما دينية وانسانية، وأن ندعو السياسيين الى أن يتحملوا بشجاعة مسؤولياتهم أمام ضميرهم وأمام الأمة والتاريخ".
 
... وهذا ما فعله البطريرك صفير!
 
الدكتور نبيل خليفة
باحث في الفكر السياسي والديني
مشارك في السينودس والمجمع الماروني
النهار
No votes yet